ابو القاسم عبد الكريم القشيري

131

الرسالة القشيرية

وقوم قالوا : إنه مسلم للفقراء المجردين ، الذين ترصدوا لوجدان هذه المعاني ، وأصلهم : خبر الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « ابكوا ، فإن لم تبكوا ، فتباكوا » ، والحكاية المعروفة لأبى محمد الجريري ، رحمه اللّه ، أنه قال : كنت عند الجنيد ، وهناك ابن مسروق وغيره ، وثم قوّال ، فقام ابن مسروق وغيره . . . والجنيد ساكن ، فقلت : يا سيدي ، مالك في السماع شئ ؟ ! . فقال الجنيد : « وترى الجبال تحسبها جامدة ، وهي تمر مر السحاب » « 1 » ثم قال : وأنت يا أبا محمد ، مالك في السماع شئ ؟ فقلت : يا سيدي ، أنا إذا حضرت موضعا فيه سماع وهناك محتشم « 2 » أمسكت على نفسي وجدى ، فإذا خلوت أرسلت وجدى ، فتواجدت . فأطلق في هذه الحكاية « التواجد » ، ولم ينكر عليه الجنيد . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، رحمه اللّه ، يقول : لما راعى أبو محمد ، أدب الأكابر في حال السماع ، حفظ اللّه عليه وقته ، ببركات الأدب ، حتى يقول : أمسكت على نفسي وجدى فإذا خلوت أرسلت وجدى فتواجد ؛ لأنه لا يمكن إرسال الوجد ، إذا شئت ، بعد ذهاب الوقت وغلباته . ولكنه لما كان صادقا في مراعاة حرمة الشيوخ ، حفظ اللّه تعالى عليه وقته ، حتى أرسل وجده عند الخلوة . فالتواجد : ابتداء الوجد على الوصف الذي جرى ذكره ، وبعد هذا الوجد « 3 » . والوجد : ما يصادف قلبك ، ويرد عليك بلا تعمد وتكلف .

--> ( 1 ) آية 88 من سورة النمل . ( 2 ) أي مستحيا منه . ( 3 ) أي وبعد حصول هذا يحصل الوجد .